الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

349

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وعشيرته إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون ، ما هذه الأشياء التي تعبدونها ؟ أليس من المؤسف على الإنسان الذي كرمه الله على سائر المخلوقات ، وأعطاه العقل أن يعظم قطعة من الحجر والخشب العديم الفائدة ؟ أين عقولكم ؟ ثم يكمل العبارة السابقة التي كان فيها تحقير واضح للأصنام ، ويقول : أإفكا آلهة دون الله تريدون ( 1 ) . استخدام كلمة ( إفك ) في هذه الآية ، والتي تعني الكذب العظيم أو القبيح ، توضح حزم وقاطعية إبراهيم ( عليه السلام ) بشأن الأصنام . واختتم كلامه في هذا المقطع بعبارة عنيفة فما ظنكم برب العالمين إذ تأكلون ما يرزقكم به يوميا ، ونعمه تحيط بكم من كل جانب ، ورغم هذا تقصدون موجودات لا قيمة لها من دون الله ، فهل تتوقعون أنه سيرحمكم وسوف لا يعذبكم بأشد العذاب ؟ كم هو خطأ كبير وضلال خطير ؟ ! عبارة رب العالمين تشير إلى أن كل العالم يدور في ظل ربوبيته تبارك وتعالى ، وقد تركتموه واتجهتم صوب مجموعة من الظنون والأوهام الفارغة . وجاء في كتب التأريخ والتفسير ، أن عبدة الأصنام في مدينة بابل كان لهم عيد يحتفلون به سنويا ، يهيئون فيه الطعام داخل معابدهم ، ثم يضعونه بين يدي آلهتهم لتباركه ، ثم يخرجون جميعا إلى خارج المدينة ، وفي آخر اليوم يعودون إلى معابدهم لتناول الطعام والشراب . وبذلك خلت المدينة من سكانها ، فاستغل إبراهيم ( عليه السلام ) هذه الفرصة الجيدة لتحطيم الأصنام ، الفرصة التي كان إبراهيم ( عليه السلام ) ينتظرها منذ فترة طويلة ، ولم يكن راغبا في إضاعتها . وحين دعاه قومه ليلا للمشاركة في مراسمهم نظر إلى النجوم فنظر نظرة في

--> 1 - في تركيب هذه الجملة ذكر المفسرون احتمالين : الأول : أن ( إفكا ) مفعول به ل‍ ( تريدون ) و ( آلهة ) بدله ، والآخر : أن ( آلهة ) مفعول به و ( إفكا ) مفعول لأجله تقدم للأهمية .